🚀 إطلاق تجريبي - نرحب بملاحظاتكم
مكرٍ مفرٍ
مكرٍ مفرٍ
رئيسية
الشعراء
القصائد
العصور
كيف تشرح؟
سُــبــحـانَ مَـن لم تَـحـوِه أَقـطـارُ - ابن عبد ربه الأندلسي | شرح وتحليل | مكرٍ مفرٍ
سُــبــحـانَ مَـن لم تَـحـوِه أَقـطـارُ
ابن عبد ربه الأندلسي
0
أبياتها 440
الأندلس والمغرب
الرجز
سُــبــحـانَ مَـن لم تَـحـوِه أَقـطـارُ
ولم تـــكـــنْ تُــدركُهُ الأَبــصــارُ
وَمـــن عَـــنــت لوجــهــه الوجــوهُ
فـــمـــا له نِـــدٌّ ولا شَـــبـــيـــهُ
ســـبـــحــانَه مِــن خــالقٍ قــديــرِ
وعــــالمٍ بِـــخـــلْقـــهِ بَـــصـــيـــرِ
وأَوَّلٍ ليــــــس له ابــــــتــــــداءُ
وآخِــــرٍ ليــــس له انــــتـــهـــاءُ
أَوْسَـــعـــنــا إحــســانُه وفــضــلُهُ
وعَــزَّ أَن يــكــونَ شــيــءٌ مــثــلُهُ
وجَــــلَّ أَنْ تُــــدْركَهٌ العُــــيــــونُ
أَو يَــحْــويــاه الوَهـم والظُّنـونُ
لكـــنَّهـــ يُـــدرَك بـــالقَـــريـــحَه
والعَــقـلِ والأَبْـنـيـةِ الصَّحـيـحَه
وهـــذه مِـــن أثــبــتِ المــعــارفْ
فـي الأَوْجـهِ الغـامـضَةِ اللَّطائفْ
مَــعْــرفـةُ العَـقْـل مـن الإنـسـانِ
أثــبــتُ مــن مَــعــرفــةِ العِـيـانِ
فــالحــمْــدُ للَّهِ عــلى نَــعْـمـائِهِ
حـــمـــداً جــزيــلاً وعــلى آلائِهِ
وبــعــدَ حَــمْـدِ اللَّه والتَّمـجـيـدِ
وبــعـد شُـكـرِ المُـبـدئِ المُـعـيـدِ
أقــولُ فــي أَيــامِ خــيـرِ النـاسِ
ومَــن تــحــلَّى بــالنَّدى والبــاسِ
ومــن أبــادَ الكُـفـرَ والنِّفـاقـا
وشَـــرَّد الفـــتْــنــة والشِّقــاقــا
ونــحــنُ فــي حَــنــادسٍ كــاللّيــلِ
وفــتــنــةٍ مــثــلِ غُــثـاءِ السَّيـلِ
حــتــى تــولَّى عــابــدُ الرحــمــنِ
ذاكَ الأَغــرُّ مــن بــنــي مــروانِ
مُــــؤيَّدٌ حَــــكّــــمَ فــــي عُــــداتِه
سـيـفـاً يَـسـيـلُ الموتُ من ظُباتِهِ
وصَـــبَّحـــَ المُـــلكَ مـــعَ الهــلالِ
فــأصــبــحَـا نِـدَّيْـنِ فـي الجـمـالِ
واحـتـمـلَ التَّقـوى عـلى جَـبـيـنهِ
والديـنَ والدُّنـيـا عـلى يـمـينهِ
قــد أَشــرقــتْ بــنُــورهِ البــلادُ
وانــقــطـعَ التَّشـغـيـبُ والفـسـادُ
هــذا عــلى حــيـنَ طـغَـى النِّفـاقُ
واســتــفــحــلَ النُّكـّاثُ والمُـرَّاقُ
وضــاقــتِ الأَرضُ عــلى سُــكـانِهـا
وأذْكــتِ الحــربُ لظَـى نـيـرانِهـا
ونــحــنُ فــي عَــشــواءَ مُــدلهــمَّهْ
وظُــلمـةٍ مـا مـثـلُهـا مِـن ظُـلمـهْ
تــأخــذُنــا الصَّيــحــةُ كُــلَّ يــومِ
فـــمـــا تَـــلذُّ مُـــقْـــلةٌ بـــنَــوْمِ
وقـد نُـصـلِّي العـيـدَ بـالنـواظِـرِ
مــخــافــةً مــن العــدوَّ الثــائِرِ
حـتـى أتـانـا الغـوثُ مـن ضِـيـاءِ
طَــبَّقــَ بــيــنَ الأَرْضِ والســمــاءِ
خَــليــفــةُ اللَّهِ الَّذي اصــطـفـاهُ
عــلى جــمـيـع الخَـلقِ واجْـتـبـاهُ
مـن مَـعـدنِ الوحـيِ وبَيْتِ الحكمَهْ
وخـــيْـــرِ مــنــســوبٍ إلى الأئمَّهْ
تَــكِــلُّ عــن مَــعـروفـهِ الجـنـائبُ
وتَــسْــتــحـي مـن جُـوده السَّحـائبُ
فــي وجــهــهِ مــن نُــورهِ بـرهـانُ
وكــفُّهــ تــقْــبــيــلُهــا قُــرْبــانُ
أَحْـيـا الّذي مـاتَ مـنَ المَـكـارِمِ
مــن عَهــدِ كــعْــبٍ وزمــانِ حـاتِـمِ
مَــكــارمٌ يَــقـصُـرُ عـنـهـا الوَصْـفُ
وغُــرَّةٌ يَــحْــســرُ عــنــهــا الطَّرفُ
وشِــيــمــةٌ كـالصَّاـبِ أَو كـالمـاءِ
وهِـــمَّةـــٌ تـــرقَـــى إِلى السَّمــاءِ
وانـظـرْ إلى الرفيعِ من بُنيانِهِ
يُــريـكَ بِـدْعـاً مـن عَـظـيـم شَـانِهِ
لو خــايــل البــحـرُ نَـدَى يَـديـهِ
إذا لجَـــــت عُـــــفــــاتُهُ إليــــهِ
لغــاضَ أَو لكــادَ أَن يَــغِــيــضــا
ولاسْـتَـحـى مـن بـعـدُ أَنْ يَـفـيضا
مَـن أَسـبـغَ النُّعـمى وكانتْ مَحْقَا
وفــتَّقــ الدُّنـيـا وكـانـتْ رَتْـقـا
هـــو الذي جـــمَّعــ شَــمْــلَ الأُمَّهْ
وجــابَ عـنـهـا دامِـسـاتِ الظُّلـمَهْ
وجَــدَّدَ المُـلكَ الذي قـد أَخْـلَقـا
حـتـى رَسَـت أَوتـادُهُ واسْـتَـوسـقـا
وجَــــمَّعـــَ العُـــدَّةَ والعَـــدِيـــدا
وكَــثَّفــَ الأَجْــنــادَ والحُــشــودا
ثــم انـتـحَـى جَـيَّاـنَ فـي غَـزاتـهِ
بِــعَــسْــكــرٍ يَــسْــعـرُ مِـن حُـمـاتِهِ
فـاسـتـنـزلَ الوحـشَ مِـنَ الهـضـابِ
كـــأَنَّمـــا حُـــطَّتـــْ مــنَ السَّحــابِ
فـــأَذعـــنــتْ مُــرَّاقُهــا سِــراعَــا
وأَقـــبـــلتْ حُــصــونُهــا تَــداعَــى
لمَّاــ رمــاهــا بــسُــيـوفِ العَـزْمِ
مَـــشْـــحــوذةٍ عــلى دُروعِ الحَــزْمِ
كــادتْ لهــا أَنــفُــسُهُــمْ تَــجــودُ
وكـــادتِ الأَرضُ بـــهــم تَــمــيــدُ
لولا الإِلهُ زُلزلتْ زِلزالَهــــــا
وأَخْــرَجــتْ مـن رَهْـبـةٍ أَثـقـالَهـا
فــأَنــزلَ النــاسَ إلى البَــسـيـطِ
وقَــطَّعــَ البَــيْــنَ مــنَ الخَــليــطِ
وافـتَـتَـحَ الحُـصـونَ حِـصـنـاً حِصنا
وأَوْســعَ النــاسَ جـمـيـعـاً أَمْـنـا
ولم يَـزلْ حـتـى انْـتَـحـى جَـيَّاـنا
فــلم يَــدَعْ بــأَرْضِهــا شَـيـطـانـا
فــأصــبــحَ النــاسُ جـمـيـعـاً أُمَّه
قـــد عـــقَــد الإِلَّ لهــم والذِّمَّه
ثـم انـتَـحـى مـن فَـورهِ إِلْبـيـرَهْ
وهـــي بِـــكـــلَّ آفـــةٍ مَــشــهــورَهْ
فـــداسَهـــا بِـــخَـــيـــلهِ ورَجْـــلهِ
حــتــى تَــوطَّاــ خَــدَّهــا بِــنَـعْـلهِ
ولم يَــدَعْ مــن جِــنِّهــا مَــرِيــدا
بِهــا ولا مــن إِنـسـهـا عَـنـيـدا
إِلا كَــــســـاهُ الذُّلَّ والصَّغـــارا
وعَــــــمَّهــــــُ وأَهـــــلهُ دَمـــــارا
فــمــا رأيــتُ مــثـلَ ذاكَ العـامِ
ومـــثـــلَ صُــنــعِ اللَّه للإِســلامِ
فــانــصــرفَ الأمـيـرُ مـن غَـزاتِهِ
وقــد شَــفــاهُ اللَّهُ مــن عُـداتـهِ
وقــبــلَهــا مـا خَـضـعـتْ وأذعـنـتْ
إِســتِــجــةُ وطــالمــا قـد صَـنـعـتْ
وبــعــدهــا مــديــنــة الشِّنــِّيــلِ
مــا أَذعــنــتْ للصَّاــرمِ الصَّقـيـلِ
لمــا غَــزاهــا قــائدُ الأَمــيــرِ
بــاليُـمـنِ فـي لِوائهِ المـنْـصـورِ
فـأسـلمـتْ ولم تـكـنْ بـالمُـسـلمةْ
وزالَ عـنـهـا أَحـمـدُ بـنُ مَـسْـلمهْ
وبـــعـــدَهــا فــي آخــرِ الشُّهــورِ
مــن ذلك العــامِ الزَّكــيِّ النُّورِ
أَرْجـــفـــتِ القِـــلاعُ والحُـــصــونُ
كـــأَنَّمـــا ســـاوَرَهـــا المَــنُــونُ
وأقــــبـــلتْ رجـــالُهـــا وُفـــودا
تــبْـغِـي لدَى إِمـامـهـا السُّعـودا
وليــــسَ مِــــن ذِي عــــزَّة وشــــدَّه
إلا تــوافَـوا عـنـدَ بـابِ السُّدَّه
قــلُوبُهــمْ بــاخــعَــةٌ بــالطَّاـعـهْ
قد أَجْمعوا الدُّخولَ في الجَماعَهْ
ثــم غــزا فـي عُـقـبِ عـامٍ قـابـلِ
فــجــالَ فــي شَــذُونــةٍ والسَّاـحـلِ
ولو يَــــدَعْ رُيَّةــــَ والجـــزيـــرَهْ
حــتــى كــوَى أَكـلبَهـا الهـريـرَهْ
حــتــى أنــاخ فــي ذُرى قـرْمـونَه
بــكَــلْكــلٍ كَــمُــدْرهِ الطَّاــحُــونَه
عـلى الذي خـالفَ فـيـها وانتزَى
يُــعْـزَى إلى سَـوادةٍ إذا اعـتـزَى
فـــســـالَ أن يُـــمـــهــلَهُ شُهــورا
ثــم يــكــونُ عــبــدهَ المـأمُـورا
فـأَسـعـفَ الأمـيـرُ مـنـهُ مـا سألْ
وعــادَ بــالفَــضْــلِ عـليـهِ وقَـفـلْ
كـانَ بـهـا القُـفـولُ عـندَ الجيَّه
مـــن غَـــزْو إِحـــدى وثـــلثــمــيَّه
فــلم يَـكـنْ يُـدرَكُ فـي بـاقـيـهـا
غــزْوٌ ولا بَــعْــثٌ يــكـونُ فـيـهـا
ثُــمَّتــَ أغــزى فــي الثـلاثِ عَـمَّهْ
وقـــد كـــســـاهُ عَـــزْمَه وحــزْمــهْ
فــســارَ فـي جَـيْـشٍ شـديـدِ البـاسِ
وقــائدُ الجــيْــش أَبــو العـبَّاـسِ
حــتــى تَــرقَّى بــذُرى بُــبَــشْــتَــر
وجـالَ فـي سـاحـاتـهـا بـالعـسكرْ
فــلم يَــدَع زَرْعــاً ولا ثــمــارا
لهــم ولا عِــلقــاً ولا عُــقــارَا
وقـطَّعـ الكُـرومَ مـنـهـا والشـجـرْ
ولم يُــبـايـع عِـلجُهـا ولا ظـهَـرْ
ثـم انـثـنـى من بعدِ ذاكَ قافلا
وقــد أَبــادَ الزَّرعَ والمــآكِــلا
فــأيـقـنَ الخِـنـزيـرُ عِـنْـدَ ذاكـا
أَنْ لا بــقــاءَ يُـرتَـجـى هُـنـاكـا
فــكــاتَــبَ الإمــامَ بــالإِجــابَه
والسَّمــْعِ والطَّاــعــةِ والإنــابَه
فــأخْــمــدَ اللَّهُ شِهـابَ الفِـتْـنـه
وأَصْـبـحَ النـاسُ مـعـاً فـي هُـدْنـه
وارتــعــتِ الشـاةُ مـعـاً والذِّيـبُ
إِذْ وَضـــعـــتْ أوزارَهــا الحــرُوبُ
وبــعــدهــا كــانــتْ غَـزاةُ أَرْبـعِ
فــأيَّ صُــنْــعٍ ربُّنــا لم يَــصْــنَــعِ
فــيــهــا بـبَـسْـطِ المَـلِك الأَوَّاه
كِــلتْــا يَـديـه فـي سَـبـيـلِ اللّهِ
هــذا إلى الثَّغــرِ ومــا يــليــهِ
عــــلى عــــدوِّ الشِّركِ أو ذويــــهِ
وذا إلى شُـمِّ الرُّبـا مـن مُـرْسِيَه
ومــا مَــضــى جـرى إلى بَـلَنـسـيَه
فـــكـــانَ مَـــن وَجَّهـــه للســاحــلِ
القــرشــيُّ القــائدُ القــنــابــلِ
وابــنُ أَبــي عَـبْـدةَ نـحـوَ الشِّرْكِ
فــي خَــيْــرِ مــا تَــعــبــيـةٍ وشـكِّ
فــأقــبــلا بــكُــلِّ فَــتْــحٍ شـامـلِ
وكُـــلِّ ثـــكـــلٍ للعـــدوِّ ثـــاكـــلِ
وبــعــدَ هــذي الغَــزوةِ الغَــرَّاءِ
كــانَ افـتـتـاحُ لَبْـلةَ الحَـمْـراءِ
أغــزَى بــجُــنــدٍ نـحـوَهـا مَـولاهُ
فـي عُـقـبِ هـذا العـامِ لا سـواهُ
بَــدراً فــضــمَّ جــانــبَــيْهـا ضـمَّه
وغَــمَّهــا حــتَّى أجــابــتْ حُــكــمَه
وأسْــلمــتْ صــاحــبَهــا مَــقـهـورا
حــتــى أتــى بــدرٌ بــه مَـأسُـورا
وبــعــدَهــا كــانــتْ غَــزاةُ خَـمْـسِ
إلى السَّوَاديِّ عـــقـــيــدِ النَّحــْسِ
لمـــا طَـــغــى وجــاوزَ الحُــدودا
ونَــقــضَ المــيــثــاقَ والعُهــودا
ونــابــذَ السُّلــطـانَ مِـن شَـقـائهِ
ومِــــن تَـــعـــدِّيـــه وسُـــوءِ رائِهِ
أَغــزى إِليـه القُـرشـيَّ القـائدا
إذ صـارَ عـن قَصْدِ السبيلِ حائدا
ثُـــــمَّتـــــَ شَــــدَّ أَزرَهُ بــــبَــــدْرِ
فــكــانَ كــالشَّفــعِ لهـذا الوتْـرِ
أحــذَقَهــا بــالخــيــلِ والرِّجــالِ
مُـــشـــمِّراً وجـــدَّ فـــي القــتــالِ
فـنـازلَ الحِـصْـنَ العـظـيمَ الشانِ
بــالرَّجــلِ والرُّمــاةِ والفُـرسـانِ
فــلم يَــزل بـدرٌ بـهـا مـحـاصـرا
كــذا عــلى قِــتــاله مُــثــابــرَا
والكـلبُ فـي تـهـوُّرٍ قـدِ انـغـمَـسْ
وضُــيِّقــَ الحَــلْقُ عــليـهِ والنَّفـَسْ
فــافــتـرقَ الأصـحـابُ عـن لوائهِ
وَفَــتــحــوا الأبــوابَ دونَ رائهِ
واقـتـحـم العَـسـكـرُ في المدينَه
وهُــو بــهــا كـهـيْـئةِ الظـعـيـنَهْ
مُـــسْـــتــســلمــاً للذُّلِّ والصَّغــارِ
ومُـــلقِـــيـــاً يَـــديـــهِ للإســـارِ
فـــنـــزَعَ الحــاجــبُ تــاجَ مُــلْكِهِ
وقــــادَه مُــــكَــــتَّفــــاً لِهُــــلْكِهِ
وكـــانَ فـــي آخِــرِ هــذا العــامِ
نَــكْـبُ أَبـي العـبَّاـسِ بـالإسـلامِ
غَــزا وكــانَ أَنــجــدَ الأَنــجــادِ
وقـــائداً مـــن أَفــحــلِ القُــوَّادِ
فــســارَ فــي غـيْـرِ رجـالِ الحَـرْبِ
الضَّاــربــيــنَ عــنـد وَقْـتِ الضَّربِ
مُــحـاربـاً فـي غـيـرِ مـا مُـحـاربِ
والحـشَـمُ الجُـمـهورُ عندَ الحاجبِ
واجـتـمـعـتْ إِليـه أَخـلاطُ الكُوَرْ
وغـابَ ذو التَّحـصيلِ عنهُ والنَّظرْ
حـــتـــى إذا أَوْغــلَ فــي العَــدُوِّ
فــكــانَ بــيــنَ البُــعـدِ والدُّنـوِّ
أَسـلمـهُ أهـلُ القُـلوبِ القـاسِـيهْ
وأَفْـــردوهُ للكِـــلابِ العــاويــهْ
فـاسـتُـشـهـدَ القـائدُ فـي أَبْـرارِ
قــد وَهَــبــوا نُـفـوسَهـم للبـارِي
فــي غــيــر تَــأخــيـرٍ ولا فِـرارِ
إلا شـــديـــدَ الضَّربِ للكُـــفّـــارِ
ثـــم أَقـــادَ اللَّهُ مــن أعْــدائهِ
وأَحْـــكَـــم النـــصـــرَ لأوْليــائهِ
فـي مَـبدأ العامِ الذي مِن قابلِ
أَزْهـقَ فـيـهِ الحـقُّ نَـفْـسَ الباطلِ
فـكـان مِـن رأيِ الإمـامِ الماجدِ
وخَـــيْـــرِ مَـــولودٍ وخَـــيْــرِ والدِ
أَنِ احــتَـمـى بـالواحِـدِ القـهَّاـرِ
وفــاضَ مِــن غَــيـظٍ عـلى الكُـفَّاـرِ
فــجــمَّعــَ الأجــنــادَ والحُـشـودَا
ونَــــفَّرَ السَّيــــِّدَ والمَــــســــودَا
وحَـــشَـــرَ الأطـــرافَ والثُّغـــورَا
ورَفـــــضَ اللَّذاتِ والحُـــــبــــورَا
حـــتَّى إذا مـــا وَفــتِ الجــنُــودُ
واجــتــمَــعَ الحُــشَّاــدُ والحُـشـودُ
قَــوَّدَ بـدراً أمـرَ تـلك الطـائفَهْ
وكــانــتِ النَّفــسُ عــليـه خـائفَهْ
فــســارَ فــي كَــتــائبٍ كــالسَّيــلِ
وعَــســكَــرٍ مِــثــلِ سَــوادِ اللَّيــلِ
حـــتَّى إذا حَـــلَّ عــلى مُــطْــنــيَه
وكــانَ فــيــهــا أخــبـثُ البـريَّهْ
نــاصــبَهــم حــربــاً لهــا شَــرارُ
كــأنَّمــا أُضــرِمَ فــيــهـا النـارُ
وجــدَّ مــن بــيــنــهِــمُ القــتــالُ
وأحْــــدقـــتْ حـــولَهـــمُ الرجـــالُ
فــحــاربُــوا يــومَهــمُ وبــاتُــوا
وقـــد نَـــفــتْ نــومَهــمُ الرُّمــاةُ
فــهــم طَـوالَ الليـلِ كـالطَّلـائحِ
جــراحُهــم تَــنْـغـل فـي الجـوارحِ
ثــمَّ مَـضَـوْا فـي حَـرْبـهـم أيّـامـا
حــتَّى بــدا المــوتُ لهـم زُؤامـا
لمّـــا رأَوا ســـحــائبَ المَــنــيَّه
تُـــمـــطِــرُهــم صَــواعِــق البــليّه
تَــغَــلْغَـلَ العُـجـمُ بـأرضِ العُـجـمِ
وانــحـشَـدوا مِـن تـحـتِ كُـلِّ نـجـمِ
فــأقــبــلَ العِـلْجُ لهـم مُـغِـيـثَـا
يـومَ الخَـمِـيـسِ مُـسْـرعـاً حَـثِـيـثا
بــيــن يـديـهِ الرَّجـلُ والفَـوارسُ
وحـــولَهُ الصُّلـــبــانُ والنَّواقــسُ
وكـان يَـرجُـو أنْ يُـزيل العَسْكرا
عـن جـانبِ الحِصْن الذِي قد دُمِّرا
فــاعــتــاقَه بــدرٌ بــمــن لَديــهِ
مُــســتــبــصِــراً فــي زَحْـفِهِ إِليـهِ
حـتـى التَـقـتْ مَـيْـمـنـةٌ بـمَـيْسرَه
واعـتـنَّتِ الأرْواحُ عندَ الحنْجره
فــفــازَ حِــزْبُ اللَّهِ بــالعِـلْجـانِ
وانــهــزمــتْ بِــطـانـةُ الشَّيـطـانِ
فـقُـتِّلـوا قـتـلاً ذَرِيـعـاً فـاشيا
وأَدبــر العِـلْجُ ذَمِـيـمـاً خـازيـا
وانــصَـرفَ النـاسُ إلى القُـلَيـعَه
فـصـبّـحـوا العَـدوَّ يـومَ الجُـمـعه
ثـم التـقى العِلْجانِ في الطَّريق
البَــنْــبــلونــيُّ مــع الجِــلِّيـقـي
فـأعـقَـدا عـلى انـتـهابِ العَسكرِ
وأَن يَـمـوتـا قـبـلَ ذاكَ المـحْضرِ
وأَقْــســمـا بـالجـبْـتِ والطَّاـغـوتِ
لايُهْـــزَمـــا دونَ لِقــاءِ المــوْتِ
فــأَقــبــلوا بــأَعـظـم الطُّغـيـانِ
قـد جَـلَّلوا الجِـبـالَ بـالفُـرسانِ
حـتـى تَـداعـى الناسُ يومَ السبتِ
فــكــانَ وقــتـاً يـا لَهُ مـن وقْـتِ
فــأُشــرعــتْ بَــيــنــهــمُ الرِّمــاحُ
وقــد عــلا التَّكـبـيـرُ والصِّيـاحُ
وفــارقــتْ أَغــمــادَهــا السُّيــوفُ
وفَـــغـــرتْ أفـــواهَـــا الحــتُــوفُ
والتـــقـــتِ الرِّجــالُ بــالرِّجــالِ
وانـغـمَـسـوا فـي غَـمْـرةِ القـتالِ
فــي مَـوْقـفٍ زاغـتْ بـه الأبـصـارُ
وقَــصُــرت فــي طُــولهِ الأَعــمــارُ
وهــبّ أهــلُ الصَّبــرِ والبَــصــائرِ
فـأوعَـقـوا عـلى العـدوِّ الكـافرِ
حــتــى بـدتْ هـزيـمـةُ البَـشـكـنـسِ
كـــأَنَّهـــُ مُـــخْـــتـــضـــبٌ بــالوَرْسِ
فـانـقـضَّتـِ العـقـبانُ والسَّلالقهْ
زَعْــقــاً عــلى مُـقـدَّم الجـلالِقـهْ
عِـقـبـانُ مـوتٍ تـخـطـفُ الأرواحـا
وتُــشــبــعُ الســيــوفَ والرِّمـاحـا
فـانـهـزمَ الخِـنـزيـرُ عـنـدَ ذاكا
وانــكــشــفــتْ عَــورتُه هــنــاكــا
فــقُــتِّلــوا فــي بَــطـنِ كـلِّ وادِي
وجـــاءتِ الرُّؤوسُ فـــي الأعْــوادِ
وقَــــــــدَّم القــــــــائدُ ألفَ راسِ
مِــن الجَــلاليــق ذَوي العــمَــاسِ
فـــتـــمَّ صُـــنـــعُ اللَّهِ للإســلامِ
وعَــــمَّنــــا ســـرورُ ذاكَ العـــامِ
وخــيــرُ مــا فــيــهِ مــن السُّرورِ
مـوتُ ابـن حَـفْـصـونَ بـه الخنزيرِ
فــاتَّصــلَ الفــتــحُ بــفــتـحٍ ثـانِ
والنَّصــرُ بــالنَّصـرِ مـن الرحـمـنِ
وهـذه الغـزاةُ تُـدعـى القـاضِـيَه
وقـد أتَـتـهـمْ بعد ذاك الدَّاهِيه
وبــعــدهــا كــانــت غـزاةُ بَـلده
وهِــي التــي أوْدَتْ بـأهـلِ الرِّدَّه
وبَـدْؤهـا أَنَّ الإمـامَ المـصـطـفى
أصــدقَ أهــلِ الأرضِ عـدلاً ووَفَـا
لمــا أَتــتْهُ مــيــتـةُ الخِـنْـزيـرِ
وأَنــــه صــــارَ إلى السَّعــــيــــرِ
كــــاتَــــبَه أَولادُه بـــالطـــاعَهْ
وبــالدُّخــولِ مَــدْخــلَ الجــمـاعـه
وأنْ يُـــقِـــرَّهـــم عـــلى الولايَهْ
عــلى دُرورِ الخَــرْجِ والجِــبــايَهْ
فـاخـتـارَ ذلك الإمـامُ المُـفْـضِلُ
ولم يَــزَل مِــن رأيــهِ التــفــضُّلُ
ثــمَّ لَوى الشَّيــطـانُ رأسَ جَـعـفـرِ
وصـارَ مـنـهُ نـافـخـاً في المُنخُرِ
فَــنــقَــضَ العُهــودَ والمـيـثـاقـا
واسـتـعـمـلَ التَّشـْغِـيبَ والنِّفاقا
وضَـــمَّ أهـــلَ النُّكـــْث والخـــلافِ
مــن غــيــرِ مـا كـافٍ وغـيـرِ وافِ
فــاعــتـاقـه الخـليـفـةُ المُـؤيَّدُ
وهــو الذي يُــشـقَـى بـه ويُـسْـعَـدُ
ومَــنَ عــليــهِ مِــن عُــيــونِ اللَّهِ
حـــوافـــظٌ مــن كُــلِّ أمــرٍ داهــي
فَــجَــنَّدَ الجُــنــودَ والكــتَـائبـا
وقَــوَّدَ القُــوَّادَ والمــقَــانــبــا
ثــم غَــزا فــي أَكــثــرِ العـديـدِ
مُـسْـتَـصـحـبَـاً بـالنَّصـرِ والتَّأييدِ
حـــتَّى إذا مَـــرَّ بِــحــصْــنِ بَــلدَه
خَـــلَّفَ فـــيــهِ قــائداً فــي عِــدَّهْ
يَـمـنـعُهـم مِـن انـتـشـارِ خَـيـلهمْ
وحــارســاً فــي يَـومِهـم ولَيـلهِـمْ
ثــمَّ مَــضـى يـسـتـنـزِلُ الحُـصـونـا
ويَــبــعــثُ الطِّلــاعَ والعُــيـونـا
حــتــى أَتــاهُ بــاشِــرٌ مـن بَـلَدَهْ
يــعـدو بـرأَسِ رأسِهـا فـي صَـعـدَهْ
فــقـدَّمَ الخـيْـلَ إليـهـا مُـسـرعـاً
واحــتــلَّهــا مِـن يـومـهِ تَـسـرُّعـا
فــحــفَّهــا بــالخــيْــلِ والرُّمــاةِ
وجُـــمـــلةِ الحُــمــاةِ والكُــمــاةِ
فـاطَّلـعَ الرَّجْـلُ عـلى أَنْـقـابـهـا
واقـتـحـمَ الجُـنْـدُ عـلى أَبوابِها
فــأَذَعــنــتْ ولم تَــكُـن بـمُـذعِـنَهْ
واسْــتــســلمــتْ كـافـرةٌ لمـؤمـنَهْ
فـــقُـــدِّمـــتْ كُـــفّــارُهــا للسَّيــفِ
وقُــتِّلــوا بــالحَـقِّ لا بـالحَـيـفِ
وذاكَ مـنْ يُـمنِ الإمام المُرتَضَى
وخـيـرِ مَـنْ بَـقـي وَخَـيـرِ مَـنْ مَضَى
ثـمّ انـتَـحـى مِـن فَـورِهِ بِـبُـشتَرا
فـلم يـدعْ بـهـا قـضـيـبـاً أخضرا
وحَــــطَّمــــَ النَّبـــاتَ والزُّروعـــا
وهَـــتـــكَ الرِّبـــاع والرُّبـــوعــا
فـــــإِذْ رأى الكـــــلبُ الذي رآهُ
مــن عَــزْمــهِ فـي قَـطْـع مُـنْـتـواهُ
أَلقَــى إليـهِ بـاليـديـن ضـارعـا
وســالَ أَن يُـبْـقـى عـليـهِ وادِعـا
وأَنْ يــكـونَ عـامـلاً فـي طـاعـتِهْ
عـلى دُرورِ الخَـرْجِ مِـن جِـبـايـتِهِ
فَـــوَثَّقـــَ الإمـــامُ مـــن رِهــانِهْ
كـيـلا يـكـونَ فـي عـمىً من شانِهْ
وقَــــبِــــلَ الإمــــام ذاكَ مِــــنْهُ
فــضــلاً وإحــســانـاً وسـارَ عـنـهُ
ثــمَّ غــزا الإمــامُ دارَ الحَــرْبِ
فــكـانَ خَـطـبـاً يـا لهُ مـن خَـطـبِ
فــحُــشِّدت إليــهِ أَعــلامُ الكُــوَرْ
ومَـن لَهُ فـي النَّاـسِ ذِكـرٌ وخـطَـرْ
إلى ذَوي الدِّيـــوانِ والرَّايـــاتِ
وكُــلِّ مَــنْــســوبٍ إلى الشَّاــمــاتِ
وكُــــلِّ مَــــن أَخــــلصَ للرّحـــمـــنِ
بــطــاعــةٍ فــي السـرِّ والإعـلانِ
وكُــلّ مــن طــاوعَ فــي الجــهــادِ
أَو ضــمَّهــُ سَــرْجٌ عــلى الجــيــادِ
فــكــانَ حـشـداً يـا لهُ مـن حَـشـدِ
مــن كــل حُــرٍّ عــنــدنــا وعــبــدِ
فـتـحـسـبُ النَّاـسَ جـراداً مـنـتشرْ
كـمـا يـقـولُ ربُّنـا فـيـمـن حُـشِـرْ
ثــم مَــضــى المُــظَـفَّرُ المـنـصـورُ
عــلى جَــبِــيــنـه الهـدى والنُّورُ
أَمــامَهُ جُــنــدٌ مــن المــلائكــهْ
آخـــــذةٌ لربِّهـــــا وتـــــاركـــــهْ
حــــتَّى إذا فَــــوَّزَ فـــي العَـــدوِّ
جــــنَّبــــهُ الرحـــمـــنُ كُـــلَّ سَـــوِّ
وأَنـــزلَ الجـــزيـــةَ والدَّواهِـــي
عــلى الذيــنَ أَشــركــوا بــاللّهِ
فـــزُلزلتْ أَقـــدامُهــم بــالرُّعــبِ
واسـتُـنْفِروا مِن خَوفِ نارِ الحَرْبِ
واقَـتَـحـمـوا الشِّعابَ والمَكامِنا
وأَسْـلمـوا الحُـصـونَ والمَـدائِنـا
فــمــا بــقــي مــن جَــنَـبـاتِ دُورِ
مِـــن بَـــيــعــةٍ لراهــبٍ أو دَيْــرِ
إِلا وقــــد صَــــيَّرهــــا هَـــبـــاءَ
كــالنَّاــرِ إذ وافَــقــتِ الآبــاءَ
وزَعـــزعـــتْ كــتــائبُ الســلطــانِ
لكُــلِّ مـا فِـيـهـا مـنَ البُـنْـيـانِ
فــكــانَ مِــن أَوَّلِ حـصْـنٍ زعْـزعُـوا
ومَــن بــهِ مــن العــدوِّ أَوْقـعُـوا
مَــديــنــةٌ مَــعْــرُوفــةٌ بــوخْـشَـمَهْ
فــغــادَروهــا فَــحــمــةً مُــسـخَّمـهْ
ثـمَّ ارتـقَـوا مـنـهـا إلى حَواضرِ
فــغـادروهـا مـثـلَ أَمـسِ الدَّابـرِ
ثــمَّ مَـضَـوْا والعِـلجُ يَـحْـتـذيـهِـمُ
بــجــيْــشـهِ يَـخـشـى ويَـقْـتـفـيـهـمُ
حـــتـــى أتـــوا تَـــوّاً لوادِي دَيِّ
فـفـيـهِ عـفَّى الرُّشـدُ سُـبْـلَ الغَـيِّ
لمـا التـقَـوْا بـمَـجـمعِ الجَوْزينِ
واجــتــمــعـتْ كـتـائبُ العِـلْجـيـنِ
مِــن أَهــل ألْيــون وبَــنــبــلونَهْ
وأَهــــلِ أَرنـــيـــط وبَـــرْشـــلُونَهْ
تــضــافــرَ الكُـفـرُ مـعَ الإلحـادِ
واجــتـمـعـوا مِـن سـائرِ البـلادِ
فـاضـطـربـوا فـي سَـفـحِ طَـوْدٍ عالِ
وصَــفَّفــوا تَــعــبــيــةَ القــتــالِ
فـــبـــادرتْ إليــهــمُ المُــقــدِّمَهْ
سـامـيـةً فـي خَـيـلهـا المُـسـوَّمـهْ
ورِدُّهـــــــا مُـــــــتَّصــــــلٌ بــــــرِدِّ
يُـــمـــدُّه بــحــرٌ عــظــيــمُ المَــدِّ
فــانــهــزمَ العِـلجـانِ فـي عِـلاجِ
ولَبــســوا ثــوبــاً مــن العَـجـاجِ
كــلاهــمـا يَـنـظُـرُ حـيـنـاً خَـلفَهُ
فــهــو يَــرى فـي كُـلِّ وَجْهٍ حـتْـفَهُ
والبِــيــضُ فــي إِثــرِهـم والسُّمـرُ
والقَــتْــلُ مــاضٍ فـيـهـمُ والأَسْـرُ
فــلم يــكُــن للنَّاــسِ مِــنْ بَــراحِ
وجــــاءَتِ الرُّؤوسُ فـــي الرِّمـــاحِ
فــأمــرَ الأَمــيــرُ بــالتَّفــْويــضِ
وأَسْــرعَ العَــســكَــرُ فـي النُّهـوضِ
فـصـادفُـوا الجُـمهورَ لما هُزمُوا
وعــايَــنــوا قُــوَّادَهـم تُـخُـرّمُـوا
فـــدخَـــلوا حَـــديـــقَـــةً للمـــوتِ
إذ طَـمِـعـوا فـي حـصْـنها بالفَوتِ
فــيــا لَهــا حــديـقـةً ويـا لَهـا
وافــتْ بــهـا نـفـوسُهـم آجـالَهـا
تـحـصَّنـوا إِذ عـايَنوا الأَهْوالا
لمَـــعـــقــلٍ كــان لهــم عِــقــالا
وصَـخـرةٍ كـانـت عـليـهـم صَـيْـلمـا
وانـقـلبـوا مـنـهـا إلى جَهـنَّمـا
تَـسـاقـطـوا يَـسـتـطـعـمـونَ الماءَ
فـــأُخـــرجـــتْ أرواحُهـــم ظِــمــاءَ
فَــكَــم لِسَــيــفِ اللَّهِ مــن جَــزُورِ
فــي مَــأدبِ الغــرْبـانِ والنُّسـورِ
وكــم بــه قَــتـلى مـنَ القـسـاوسِ
تـــنـــدبُ للصُّلــبــانِ والنُّواقــسِ
ثـــمَّ ثَـــنــى عــنــانَهُ الأَمــيــرُ
وحــولهُ التــهــليـلُ والتَّكـبـيـرُ
مُـــصـــمِّمــاً بــحــرْبِ دارِ الحــربِ
قُــــدَّامَهُ كــــتــــائبٌ مـــن عُـــرْبِ
فــداسَهــا وســامَهــا بــالخــسْــفِ
والهــتْـكِ والسَّفـكِ لهـا والنَّسـْفِ
فــحــرَّقــوا ومَــزَّقـوا الحُـصـونـا
وأسْـخـنـوا مـن أَهـلهـا العُيونَا
فـانـظـرُ عـنِ اليـمـيـنِ واليـسارِ
فــمــا تَــرى إلَّا لهــيـبَ النَّاـرِ
وأصــبــحــتْ ديــارُهــم بــلاقـعـا
فـمـا نَـرى إلَّا دُخـانـاً سـاطِـعـا
ونُـصـر الإمـامُ فـيـهـا المُصطفى
وقـد شَـفـى مـن العـدوِّ واشـتَـفـى
وبــعــدهــا كــانــت غَــزاةُ طُــرَّشْ
سَــمـا إليـهـا جـيـشـهُ لم يُـنْهَـش
وأَحــدقــتْ بــحِـصْـنـهـا الأَفـاعـي
وكُـــــلُّ صِـــــلٍّ أَسْــــودٍ شُــــجــــاعِ
ثـمَّ بَـنـى حِـصْـنـاً عـليـها راتبا
يَــعْــتَــوِرُ القُـوَّادَ فـيـهِ دائبـا
حــتّــى أَنــابـتْ عَـنـوةً جِـنـانُهـا
وغـابَ عـن يـافـوخِهـا شـيـطـانُها
فــــأَذْعـــنـــتْ لســـيَّدِ السَّاـــداتِ
وأكـــرمِ الأحـــيــاءِ والأمــواتِ
خـــليـــفــةِ اللَّه عــلى عِــبــادِهِ
وخــيــرِ مَــنْ يَــحـكـم فـي بـلادِهِ
وكـــانَ مـــوتُ بــدرٍ بــنِ أَحــمــدِ
بــعــدَ قُــفــولِ المَــلكِ المُــؤيَّدِ
واسـتـحـجـبَ الإمـامُ خـيْـرَ حـاجبِ
وخــيْــرَ مَــصــحــوبٍ وخَـيـرَ صـاحـبِ
مُــوســى الأَغـرَّ مـن بـنـي حُـدَيـرِ
عَـــقـــيـــدَ كُـــلِّ رأفـــةٍ وخَـــيــرِ
وبــعــدهــا غَــزاةُ عَــشْــرِ غَــزْوَه
بـهـا افـتـتـاحُ مـنـتـلون عَـنـوَهْ
غـزا الإمـامُ فـي ذوي السُّلـطانِ
يَــؤُمُّ أَهــلَ النُّكــْثِ والطُّغــيــانِ
فـاحـتـلَّ حِـصْـنَ مـنـتـلونَ قـاطـعا
أَسـبـابَ مـنَ أَصـبـح فـيـه خـالعا
ســـارَ إليـــهِ وبَـــنَـــى عـــليـــهِ
حــتّــى أتــاهُ مُــلقــيــاً يــديــهِ
ثــمَّ انــثــنـى عـنـه إلى شَـذُونَهْ
فــعــاضَهــا سَهــلاً مـن الحُـزونَهْ
وســـاقَهـــا بــالأهــلِ والولدانِ
إلى لُزومِ قُــــبَّةــــِ الإيـــمـــانِ
ولم يــدَعْ صَــعْـبـاً ولا مَـنـيـعـا
إِلَّا وقـــد أَذلَّهـــمْ جـــمـــيــعــا
ثــم انــثــنَـى بـأطـيـبِ القـفُـولِ
كــمــا مَــضــى بــأَحـسـنِ الفُـضُـولِ
وبــعــدهــا غــزاةُ إحــدَى عـشَـرَهْ
كـم نَـبَّهـتْ مـن نـائمٍ فـي سَـكْـرَهْ
غـزا الإمـامُ يَـنْـتـحـي بِـبُـشْتَرا
فـي عـسْـكـرٍ أَعـظـمْ بـذاكَ عَـسْكرا
فــاحــتــلَّ مِـن بُـبَـشْـتَـرا ذَراهـا
وجــالَ فــي شــاطٍ وفــي ســواهــا
فــخــرَّب العُــمـرانَ مـن بُـبـشْـتَـرِ
وأذعــنــتْ شــاطٌ لربِّ العَــســكــرِ
فـــأدخـــلَ العُـــدَّةَ والعـــديــدا
فـيـهـا ولم يَـتـركْ بـهـا عَـنِيدا
ثـمَّ انـتَـحـى بـعـدُ حُـصـونَ العُجْمِ
فـداسـهـا بـالقَـضْـمِ بـعـدَ الخضْمِ
مــا كــانَ مــن سـواحِـلِ البُـحـورِ
مـنـهـا وفـي الغـابـاتِ والوعُورِ
وأَدخـــلَ الطـــاعــةَ فــي مــكــان
لم يــدْرِ قــطُّ طــاعــةَ السُّلـطـانِ
ثــمَّ رَمــى الثَّغــرَ بـخـيـرِ قـائدِ
وزادهـــم عـــنــه بــخــيــرِ ذائدِ
بــه قَــمــا اللَّهُ ذوي الإشــراكِ
وأنـــقـــذَ الثَّغــرَ مــن الهــلاكِ
وانـتـاشَ مـن مَهْـواتِهـا تُـطـيـله
وقــد جَــرت دمــاؤُهــا مَــطــلُولَهْ
وطَهَّرَ الثَّغــــرَ ومــــا يَــــليــــهِ
مــن شِــيـعـةِ الكُـفـر ومـن ذَويـهِ
ثـمَّ انـثَـنـى بـالفَـتـحِ والنَّجـاحِ
قــد غــيَّرَ الفــســادَ بــالصَّلــاحِ
وبــعـدهـا غَـزاةُ اِثْـنـتَـيْ عَـشَـرَهْ
وكــم بــهــا مــن حَـسْـرَةٍ وعِـبـرَهْ
غــزا الإمــامُ حــولَه كــتــائبُه
كـالبـدْرِ مـحـفـوفـاً بـه كـواكبُه
غـزا وسـيـفُ النَّصـر فـي يَـمـيـنهِ
وطــالعُ السَّعــدِ عــلى جَــبــيـنـهِ
وصــاحــبُ العــســكــرِ والتَّدبـيـرِ
مــوســى الأغــرُّ حـاجـبُ الأمـيـرِ
فــدمَّر الحُــصــونَ مــن تــدْمــيــرِ
واســتــنـزلَ الوحـشَ مـن الصَّخـورِ
فــاجــتــمـعـتْ عـليـهِ كُـلُّ الأمّـة
وبــايــعــتْهُ أُمَــراءُ الفِــتْــنــهْ
حــتّــى إذا أَوعـبَ مـن حُـصـونـهـا
وجَــمَّلــَ الحــقَّ عــلى مُــتــونِهــا
مَـضـى وسـارَ فـي ظـلالِ العَـسـكَـرِ
تــحــتَ لواءِ الأســدِ الغَـضَـنْـفَـرِ
رجــالُ تُــدمــيــرٍ ومَــن يَــليـهـمُ
مــن كــلِّ صِــنـفٍ يُـعـتـزى إليـهـمُ
حــتّــى إذا حَــلَّ عــلى تُــطــيــلَهْ
بــكـتْ عـلى دمـائِهـا المَـطْـلولَهْ
وعــظْــمِ مــا لاقَــتْ مــن العــدوِّ
والحـــربِ فـــي الرَّواحِ والغُــدوِّ
فـــهـــمَّ أَن يُــديــخَ دار الحــربِ
وأَن تــــكـــونَ رِدْأَهُ فـــي الدَّرْبِ
ثـمَّ اسـتـشـارَ ذا النُّهى والحِجْرِ
مــن صَــحْــبـه ومِـن رجـالِ الثَّغـْرِ
فــكُــلُّهــم أَشــارَ أَنْ لا يُـدْرِبـا
ولا يــجــوزَ الجــبــلَ المُـؤشَّبـا
لأَنّه فــي عــســكــرٍ قــدِ انـخـرَمْ
بِــنَــدْبِ كــلِّ العُـرفـاءِ والحـشَـمْ
وشَــــــنَّعـــــوا أَنَّ وَراءَ الفَـــــجِّ
خـمـسـيـنَ ألفـاً مـن رجالِ العِلْجِ
فـــقـــالَ لا بُـــدَّ مـــن الدُّخــولِ
ومــا إلى حــاشــاهُ مــن ســبـيـلِ
وأن أُديــــخَ أرضَ بَــــنْـــبـــلونَهْ
وســاحــةَ المــديـنـةِ المـلْعُـونَهْ
وكـانَ رأيـاً لم يـكُـنْ مـن صـاحبِ
ســاعــدَهُ عــليــهِ غـيـر الحـاجـبِ
فــاسْــتَــنـصـرَ اللَّهَ وعَـبَّى ودَخَـلْ
فـكـان فـتـحـاً لم يـكـنْ لهُ مَـثَلْ
وعـــاذَ بـــالرَّغْـــبـــةِ والدُّعــاءِ
واســتـنـزلَ النَّصـرَ مِـنَ السّـمـاءِ
فـــقـــدَّم القُـــوَّادَ بـــالحُــشــودِ
وأَتْـــبـــعَ الحـــدودَ بـــالحُــدودِ
فـانـهـزمَ العِـلجُ وكـانـتْ مَلْحَمهْ
جـاوزَ فـيـهـا السـاقـةُ المُقدَّمهْ
فَــقُــتِّلــوا مَــقْــتــلَةَ الفَــنــاءِ
فــارتــوتِ البِــيــضُ مـنَ الدِّمـاءِ
ثـــمَّ أمـــالَ نــحــوَ بَــنْــبــلونَه
واقـتـحـمَ العـسـكـرُ في المدينَهْ
حـتـى إذا جَـاسُـوا خـلالَ دورِهـا
وأَســرع الخـرابُ فـي مَـعْـمـورهـا
بـلتَ عـلى مـا فـاتَهـا النّـواظِرُ
إذْ جَــعــلتْ تَــدُقُّهــا الحــوافِــرُ
لِفَــقْــدِ مــن قــتَّلـَ مِـن رِجـالِهـا
وذُّلِّ مــن أَيْــتَــمَ مـن أطـفـالهـا
فــكــم بـهـا وحـولهـا مـن أغـلفِ
تَهـمـي عليه الدمعَ عينُ الأَسْقفِ
وكــم بــهــا حَــقَّرَ مــن كــنــائسِ
بــــدَّلتِ الآذانَ بــــالنّـــواقِـــسِ
يَـبـكـي لهـا النَّاـقُـوسُ والصَّليبُ
كـــلاهـــمــا فــرضٌ لهُ النَّحــيــبُ
وانـــصـــرفَ الإمــامُ بــالنَّجــاحِ
والنــصــرِ والتّـأيـيـدِ والفَـلاحِ
ثـمَّ ثَـنـى الرايـاتِ فـي طـريـقـهِ
إلى بـنـي ذي النونِ من توفيقهِ
فـأصـبـحُـوا مـن بَـسـطـهم في قَبْضِ
قــد ألصــقــت خــدودُهـم بـالأرضِ
حــتــى بَــدَوْا إليـه بـالبـرهـانِ
مــن أكــبــرِ الآبــاءِ والوِلْدانِ
فــالحــمــدُ للَّهِ عــلى تــأيـيـده
حــمـداً كـثـيـراً وعـلى تـسـديـدهِ
ثـــمَّ غَـــزا بــيُــمــنــهِ أشُــونَــا
وقــد أشــادُوا حــولهـا حُـصـونـا
وحَـــفَّهـــا بــالخــيــلِ والرّجــالِ
وقـــاتَـــلوهُــم أبــلغَ القِــتــالِ
حـتـى إذا مـا عـاينُوا الهلاكا
تَــبــادروا بــالطَّوعِ حـيـنـذاكـا
وأَســلمُــوا حِــصْـنَهُـمُ المَـنـيـعـا
وسَــمــحــوا بِــخَــرجِهــم خُــضـوعـا
وقـــبـــلَهــم فــي هــذه الغَــزاةِ
قــد هُــدِّمــتْ مَــعــاقــلُ العُـصـاةِ
وأحــكــم الإمــامُ فـي تـدبـيـرهِ
عــلى بــنــي هـابـلَ فـي مَـسـيـرهِ
إذ حُــبــســوا مـراقـبـاً عـليـهـم
حــتــى أَتَــوا بــكـلِّ مـا لديـهـمُ
مـن البَـنـيـن والعِـيـالِ والحشمْ
وكُــلِّ مــن لاذَ بـهـمْ مـن الخَـدَمْ
فَهــبَــطُــوا مـن أَجـمَـعِ البُـلدانِ
وأُســكــنُــوا مــديـنـةَ السّـلطـانِ
فــكــانَ فــي آخــرِ هــذا العــامِ
بــعــد خُــضـوعِ الكُـفـرِ للإِسـلامِ
مَــشــاهــدٌ مـن أَعـظـمِ المَـشـاهِـدِ
عَـلى يَـدَي عـبـد الحميدِ القائدِ
لمّــا غَــزا إلى بـنـي ذي النُّونِ
فـكـانَ فـتـحـا ًلم يَـكُـن بـالدُّونِ
إذ جَاوزوا في الظُّلْمِ والطُّغيانِ
بــقَــتْــلهــم لعــامِــلِ السُّلـطـانِ
وحــاولُوا الدُّخــولَ فــي الأَذيَّه
حَــتــى غَــزاهُــمْ أَنــجـدُ البـريَّه
فــعــاقَهُــم عَــنْ كــلَّ مــا رَجَــوْهُ
بـــنَـــقْـــضـــه كُــلَّ الذي بَــنَــوْهُ
وضَـبْـطِهِ الحِـصْـنَ العَـظـيمَ الشّانِ
أَشـتـبـيـنَ بـالرَّجْـل وبـالفُـرسانِ
ثـمّ مَـضـى اللّيـثُ إليـهـم زحـفـاً
يَـخـتـطِـفُ الأَرواحَ مـنْهـم خَـطْـفا
فَـانـهـزمـوا هـزيـمـةً لم تُـرْفَدَا
وَأَسْــلمــوا صِــنْــوَهُــمُ مُــحــمّــدا
وغَـــيـــرَهُ مِــن أَوْجُهِ الفُــرســانِ
مُــغــرَّب فــي مــأتــمِ الغِــرْبــانِ
مُــقــطَّعــَ الأَوصــالِ بــالسَّنـابِـكِ
مــن بــعــدِ مـا مُـزّقٍ بـالنَّيـازِكِ
ثـــمّ لجُـــوا إلى طِــلاب الأَمــنِ
وبَـــذْلهـــم ودَائعـــاً مـــن رَهْــنِ
فَـــقُـــبــضــتْ رِهــانُهُــمْ وأُمِّنــوا
وأَنْــفَــضــوا رُؤوسَهُــم وأَذْعُـنـوا
ثــمّ مَــضـى القـائدُ بـالتـأيـيـدِ
والنَّصر في ذِي العَرْش والتَّسديدِ
حــتــى أتــى حِـصْـنَ بـنـي عِـمـارَهْ
والحــرْبُ بــالتَّدْبـيـر والإدَارَهْ
فـافـتـتـحَ الحِـصْـنَ وخَـلَّى صـاحِبهْ
وأَمَّنــَ النَّاــسَ جـمـيـعـاً جـانِـبَهْ
لم يَــغْــزُ فــيـهـا وغَـزَتْ قُـوَّادُهُ
واعــتَــوَرت بِــبُــشـتـرا أجـنـادُهُ
فـكـلُّهـم أَبـلَى وأَغـنَـى واكـتَـفى
وكُــلُّهـم شَـفَـى الصُّدورَ واشْـتَـفـى
ثــمّ تــلاهُـمْ بـعـدُ ليـثُ الغـيـلِ
عـبـدُ الحـمـيـد مـن بـنـي بـسـيلِ
هــو الَّذِي قــامَ مـقـامَ الضَّيـغَـمِ
وجـــاءَ فـــي غَــزاتِهِ بــالصَّيــلَمِ
بــرأسِ جـالوتِ النِّفـاقِ وَالحَـسـدْ
مَـن جُـمِّعـ الخِـنزيرُ فيه والأَسدْ
فــهــاكَهُ مــع صَــحــبــهِ فـي عِـدَّه
مُــصــلَّبــيــن عــنــد بــابِ السُّدَّه
قَــدِ امــتــطـى مَـطـيّـةً لا تَـبـرحُ
صـــائمـــةً قـــائمـــةً لا تَــرْمَــحُ
مــطــيَّةــً إنْ يَــعْــرُهـا انْـكـسـارُ
يُــطِـبُّهـا النَّجـَّارُ لا البـيـطـارُ
كـــأَنَّهـــ مــن فَــوقــهــا أسْــوَارُ
عـيـنـاهُ فـي كِـلتـيـهـمـا مِـسمارُ
مـــبـــاشِـــراً للشَّمـــسِ والرِّيــاحِ
عـــلى جـــودٍ غـــيـــر ذي جِــمــاحِ
يـــقـــولُ للخـــاطـــرِ بــالطَّريــقِ
قـــولَ مُـــحـــبٍّ نـــاصِــحٍ شَــفِــيــقِ
هــذا مــقــامُ خــادمِ الشّــيـطـانِ
ومَــن عَــصــى خــليــفَــةَ الرحـمـنِ
فـمـا رأيـنـا واعـظـاً لا يَـنْـطِقُ
أصـدقَ مـنـه فـي الّذِي لا يَـصـدقُ
فـــقُـــلْ لمــن غُــرَّ بــسُــوءِ رائِهِ
يَــمُــتْ إذا شــاءَ بــمــثــلِ دائِهِ
كــم مــارقٍ مــضَــى وكـمْ مُـنـافِـقِ
قـدِ ارتـقى في مِثلِ ذاكَ الحالِقِ
وعــادَ وهــوَ فــي العَـصـا مُـصـلَّبُ
ورأَسُهُ فـــــي جِـــــذْعــــهِ مُــــركَّبُ
فــكــيــفَ لا يَـعـتـبـرُ المـخـالفُ
بــحــالِ مــن تَــطــلبـهُ الخـلائفُ
أمــا تَــراهُ فــي هَــوانٍ يــرتَــعُ
مــعــتــبــراً لمــن يـرى ويـسـمـعُ
فـيـهـا غَـزا مُـعـتـزمـاً بِـبُـشترا
فــجــالَ فــي ســاحَــتــهــا ودمَّرا
ثـــمَّ غـــزا طَــلْجــيــرةً إليــهــا
وهـي الشـجَـى مـن بـيـن أَخدعَيْها
وامـتـدَّهـا بـابنِ السَّليم راتبا
مــشــمِّراً عــن ســاقــهِ مُــحـاربـا
حــتّــى رأى حَــفْــصٌ سـبـيـلَ رُشـدِهِ
بــعــد بُــلوغِ غــايــةٍ مـن جُهـدِهِ
فــدانَ لِلإمــام قــصـداً خـاضـعـاً
وأَســلَم الحِــصــنَ إليــه طـائعـا
لم يَـغْـزُ فـيـها وانتحَى بِبُشترا
فَــــرمَّهـــا بـــمـــا رأى ودبّـــرا
واحــتــلَّهـا بـالعـزِّ والتَّمـكِـيـنِ
ومــحْــوِ آثــارِ بــنــي حَــفْــصــونِ
وعـاضَهـا الإصـلاحَ مـن فـسـادهمْ
وطَهَّرَ القــبــورَ مــن أجــسـادِهـمْ
حــتّــى خَــلا مَــلْحــودُ كــلِّ قـبـرِ
مِــن كــلِّ مُــرتَـدٍّ عـظـيـمِ الكُـفْـرِ
عــصــابــةٌ مِـن شـيـعـةِ الشَّيـطـانِ
عـــــــدوَّةٌ ِللَّهِ والسّـــــــلطــــــانِ
فَــخُــرِّمَــتْ أجــســادُهــا تــخـرُّمـا
وأصـــليـــتْ أرواحُهـــم جَهـــنَّمــا
ووجَّهــ الإمــامُ فــي ذا العــام
عـبـد الحـمـيـدِ وهـو كـالضِّرغـامِ
إلى ابــن داودَ الّذِي تَــقــلَّعــا
فــي جَــبــلَيْ شَــذُونَــةٍ تــمــنَّعــا
فــحــطَّهــ مــنــهـا إلى البـسـيـطِ
كـــــطـــــائرٍ آذنَ بـــــالسُّقـــــوطِ
ثـــــمَّ أتـــــى بِهِ إلى الإمــــامِ
إلى وفــــيِّ العَهــــدِ والذِّمــــامِ
وبــعــد سَــبــع عَــشــرةٍ وفــيـهـا
غــزا بَــطَــلْيُــوسَ ومــا يــليـهـا
فــلم يــزَلْ يَــســومُهـا بـالخـسْـفِ
ويَــنْــتــحـيـهـا بـسُـيـوفِ الحَـتْـفِ
حــتــى إذا مــا ضَــمَّ جـانِـبَـيْهـا
مُــحــاصِــراً ثــم بــنَــى عــلَيْهــا
خـلَّى ابـنَ إِسـحـاقٍ عليها راتبا
مُــثــابــراً فـي حَـرْبـهِ مُـواظِـبـا
ومَــرَّ يَــسْــتَـقـصـي حُـصـونَ الغَـرْبِ
ويَــبــتــليــهــا بـوَبـيـلِ الحَـرْبِ
حــتّــى قَــضَــى مِــنـهُـنَّ كُـلَّ حـاجَهْ
وافــتُــتــحَـتْ أَكْـشُـونَـبـه وبـاجّه
وبـعـد فـتْـح الغَـرْبِ واسـتِقصائهِ
وحَــسْــمِه الأدواءَ مــن أَعــدائِهِ
لجَّتــ بَــطــلْيــوسُ عـلى نِـفـاقِهـا
وغَــرَّهــا اللَّجــاجُ مــن مُـرَّاقِهـا
حــتّــى إذا شَــافَهَــتِ الحُــتـوفـا
وشــامَــتِ الرِّمــاحَ و السُّيــوفــا
دعـا ابـنُ مَـروان إلى السُّلـطانِ
وجــــاءَه بــــالعَهْـــدِ والأمـــانِ
فــصــارَ فــي تَــوسِــعــةِ الإمــامِ
وســاكــنــاً فــي قُــبَّةـِ الإسـلامِ
فــيــهــا غَـزا بِـعْـزمِهِ طُـلَيْـطـلَهْ
وامـتـنـعـوا بـمَـعْقلٍ لا مِثلَ لَهْ
حـتـى بَـنـى جـرنـكـشـه بـجَـنـبـها
حِـصْـنـاً مـنـيـعـاً كـافلاً بحَرْبها
وشــدَّهــا بــابــن سَــليـمٍ قـائدا
مُــجــالداً لأَهــلهــا مُــجــاهــدا
فــجــاسَهـا فـي طُـولِ ذاكَ العـامِ
بـالخـسْـفِ والنَّسـفِ وضَـرْبِ الهـامِ
ثــــــمّ أتــــــى رِدْفــــــاً له دُرِّيُّ
فــي عــســكــرٍ قــضــاؤهُ مَــقْــضــيُّ
فــحــاصــروهـا عـامَ تـسـعَ عـشْـرَهْ
بــكــلِّ مَــحْـبُـوكِ القُـوى ذي مـرَّه
ثــمّ أَتــاهــم بــعــدُ بــالرِّجــالِ
فــقــاتــلوهــم أَبــلغَ القِــتــالِ
حـــتّـــى إذا مــا سَــلفــت شُهــورُ
مــن عــامِ عــشْــريـنَ لهـا ثُـبـورُ
ألقَــتْ يــدَيـهـا للإمـامِ طـائعَهْ
واسـتَـسـلَمَـت قَـسـراً إليه باخِعَه
فَــأَذعَــنَــتْ وقَــبـلَهـا لم تُـذْعـنِ
ولم تَـقُـد مـنْ نَـفْـسـهـا وتُـمـكـنِ
ولم تَـــــدِنْ لربِّهـــــا بِــــدِيــــنِ
ســبــعـاً وسَـبـعـيـن مـنَ السِّنـيـنِ
ومُـبـتـدى عـشـريـنَ مـات الحـاجبْ
مُوسى الذي كانَ الشهابَ الثاقبْ
وبَـــرزَ الإمـــامُ بــالتــأيــيــدِ
فـــي عُـــدَّةٍ مــنــهُ وفــي عَــديــدِ
صَـمْـداً إلى المـديـنـةِ اللعـينَه
أتــعــسَهـا الرّحـمـنُ مـن مَـديـنَه
مـــديـــنـــةُ الشِّقـــاق والنِّفــاقِ
ومــــوئِلِ الفُــــسَّاـــق والمُـــرَّاقِ
حـتّـى إذا ما كانَ مِنها بالأمم
وقـد ذَكـا حَـرُّ الهَـجـيـر واحتدَمُ
أتـاهُ واليـهـا وأَشـيـاخُ البَـلدْ
مُـسْـتَـسـلمـيـن للإمـام المُـعتمدْ
فَــوافَــقُـوا الرَّحـبَ مـن الإمـامِ
وأُنــزلوا فــي البِـرِّ والإكـرامِ
ووجَّهــ الإمــامُ فــي الظَّهــيــرَه
خَـيـلاً لكـي تـدخـلَ فـي الجَزِيرَه
جَــــــريــــــدةٌ قـــــائِدُهـــــا دريُّ
يَــلمــعُ فــي مُــتــونِهـا المـاذِيُّ
جــريــدةٌ فــي وَعْــرِهــا وسَهـلهـا
وذاكَ حــيــنَ غــفـلةٍ مـن أَهـلهـا
ولم يـــكُـــن للقــومِ مــن دفــاعِ
بـــخَـــيـــلِ درّيٍّ ولا امـــتــنــاعِ
وقـــوَّضَ الإمـــام عـــنـــد ذلكــا
وقـــلبُه صَـــبٌّ بــمــا هُــنــالكــا
حـتـى إذا مـا حَـلَّ فـي المـدينَه
وأهــــلُهــــا ذليــــلةٌ مَهـــيـــنَهْ
أقْــمَــعــهــا بـالخـيـل والرّجـالِ
مــن غــيــرِ مـا حـربٍ ولا قِـتـالِ
وكـــان مـــن أوَّل شــيــءٍ نــظــرا
فــــيــــه ومـــا رَوى له ودبّـــرا
تَهــــــدُّمٌ لِبــــــابِهــــــا والسُّورِ
وكــانَ ذاك أحــســنَ التّــدبــيــرِ
حـــتّـــى إذا صـــيَّرهـــا بَــراحــا
وعــايــنــوا حــريــمَهـا مُـبـاحـا
أقــرَّ بــالتَّشــيــيـدِ والتَّأـسـيـسِ
فـي الجـبَـلِ النَّاـمي إلى عَمروسِ
حـتّـى اسـتـوى فـيـا بـنـاءٌ مُحكمُ
فــــحَــــلَّه عـــامـــلُه والحـــشـــمُ
فـعِـنـدَ ذاكَ أَسـلَمَـت واسـتـسـلمت
مــديـنـةُ الدِّمـاء بـعـدمـا عَـنَـتْ
فـيـهـا مَـضى عبدُ الحميد مُلتئمْ
فــي أهــبــةٍ وعُــدَّةٍ مــن الحَـشَـمْ
حـتّـى أتـى الحـصـنَ الّذي تـقلَّعا
يحيى بن ذي النُّون به وامتنعا
فـــحـــطَّهـــ مـــن هَـــضَـــبــاتِ ولبِ
مــن غــيـرِ تـعْـنـيـتٍ وغـيـرِ حَـرْبِ
إلَّا بــتَــرْغـيـبٍ له فـي الطـاعَهْ
وفــي الدخــولِ مَـدْخـلَ الجـمـاعَهْ
حــتّـى أتـى بـهِ الإمـامَ راغـبـا
فـي الصَّفـح عـن ذُنـوبـهِ وتـائبا
فــصــفــحَ الإمــامُ عـن جـنـايـتِهْ
وقَــبِــلَ المــبـذولَ مـن إنـابـتِهْ
وردَّه إلى الحُـــصـــونِ ثــانــيــاً
مُــســجّــلاً له عــلَيــهــا والِيــا
ثـمَّ غـزا الإمـامُ ذو المَـجـدَيـنِ
فـي مُـبـتـدا عـشـريـنَ واثـنـتـينِ
فـــي فَـــيــلقٍ مُــجــمــهَــرٍ لُهــامِ
مُـــــدَكـــــدِكِ الرّؤوسِ والأكــــامِ
حـــافُ الرُّبـــى لزَحْــفِه تَــجــيــشُ
تَــجــيــشُ فـي حـافـاتـهِ الجـيـوشُ
كـــأَنَّهـــم جِـــنٌّ عـــلى سَـــعـــالي
وكُــلُّهــم أمــضَــى مــنَ الرِّئبــالِ
فــاقــتــحــمــوا مُـلونـدةً ورومَهْ
ومــن حَــواليــهـا حـصـونُ حـيـمـه
حــتَّى أتـاهُ المَـارقُ التّـجـيـبـي
مُـسـتـجـديـاً كـالتـائِب المُـنـيـبِ
فــخــصَّهــ الإمــامُ بــالتّــرحـيـبِ
والصَّفـــحِ والغُـــفــرانِ للذُّنــوبِ
ثـــمّ حَـــبـــاهُ وكَـــســـاهُ ووَصَـــلْ
بــشــاحــجٍ وصــاهــلٍ لا يُـمْـتَـثـلْ
كــلاهُــمــا مـن مَـرْكـبِ الخَـلائفِ
فـي حِـلْيـةٍ تُـعْـجِـزُ وصـفَ الواصـفِ
وقـال كُـن مـنَّاـ وأوطـنْ قُـرْطـبـه
نُـدنـيـكَ فـيـهـا مـن أجـلِّ مَرْتبه
تـكـنْ وزيـراً أَعـظـمَ النـاسِ خَطَرْ
وقـائداً تَـجـبـي لنا هذا الثَّغَرْ
فــقــال أنّــي نــاقِهٌ مــن عِـلَّتـي
وقــد تَــرى تــغــيُّري وصُــفْــرتــي
فـــإن رأيـــتَ ســـيّـــدي إمْهــالي
حـــتّـــى أرمَّ مـــن صَـــلاحِ حــالي
ثــمَّ أُوافــيــكَ عــلى اسـتِـعـجـالِ
بــالأهــلِ والأَولادِ والعِــيــالِ
وأَوثَـــقَ الإمـــامَ بـــالعـــهــودِ
وجَــــعَــــلَ اللَّهَ مــــنَ الشُّهــــودِ
فَــقــبِــلَ الإمــامُ مــن أَيـمـانِهِ
وردَّه عــــفــــواً إلى مــــكــــانِهِ
ثـــم أَتـــتــهُ ربَّةــُ البَــشــاقــصِ
تُــدْلي إِليــه بـالودادِ الخـالصِ
وأَنّهـــا مُـــرْســـلةٌ مـــن عــنــده
وجَــــدّهــــا مــــتّـــصـــلٌ بـــجَـــدِّهِ
واكــتــفــلتْ بــكُــلِّ بَــنْــبـلونـي
وأَطــلقـت أَسـرى بـنـي ذي النُّونِ
فـأَوعـدَ الإِمـامُ فـي تَـأمـيـنـها
ونَــكَّبــَ العـسـكـرَ عـن حُـصـونـهـا
ثــمّ مَــضَــى بــالعـزِّ والتَّمـكـيـنِ
ونـــاصـــراً لأهــلِ هــذا الدِّيــنِ
فـي جُـمـلة الرّايـاتِ والعـسـاكرِ
وفــي رِجــال الصَّبــرِ والبَـصـائرِ
إِلى عِـــدَى اللّهِ مـــنَ الجــلالِقِ
وعـابـدِي المَـخـلوقِ دونَ الخالقِ
فـــدمَّروا السُّهـــولَ والقِــلاعــا
وهَــتــكــوا الرُّبــوعَ والرِّبـاعـا
وخَــرَّبــوا الحُـصـونَ والمَـدائِنـا
وأَقـفـروا مـن أهـلها المَساكِنا
فــليــسَ فــي الدِّيــارِ مـن ديّـارِ
ولا بــهــا مــن نــافــخٍ للنَّاــرِ
فــغــادروا عُــمْــرانَهــا خـرابـا
وبَـــدَّلوا رُبـــوعــهــا يَــبــابــا
وبــالقِـلاعِ أَحْـرقـوا الحُـصـونـا
وأَسْـخَـنـوا مـن أَهـلهـا العيونا
ثــمّ ثــنــى الإمـامُ مـن عِـنـانِهِ
وقــد شَـفـى الشَّجـيَّ مـن أشـجـانِهِ
وأمَّنــَ القــفـارَ مـن أنـجـاسـهـا
وطَهَّرَ البـــلادَ مـــن أرْجــاسِهــا
تضمين
انقر على النص المظلل لقراءة التعليقات التوضيحية
يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليقات توضيحية
تسجيل الدخول